السيد عبد الأعلى السبزواري
32
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
تبيّن روح الشريعة في هذا الحكم والجانب المعنوي منها ، كما تشير إلى بعض الجوانب المادّية فيه أيضا ، وهو المال والزوج والزوجة ، فإنّ كلّ نكاح يتقوّم بهذه الأمور الثلاثة . وأمّا الجانب المعنوي ، فهو العفّة وتحصين النفس والتجنّب عن الإباحيّة والزنا والمباشرة من دون غاية سوى قضاء الشهوة العارمة . ويستفاد من مجموع الآية الشريفة أنّ الغرض من هذه الأحكام التوفيق بين الاستجابة التكوينيّة وداعي الفطرة والعقل ؛ لتثبيتها على أساس محكم متين ، وحفظ النفس والتحرّز عن الفحشاء التي تعتبر بحقّ مفسدة للحياة الزوجية ، وقاطعة للنسل ، وهادمة للسعادة ، بخلاف ما إذا كانت الفطرة والشهوة التكوينيّة تحت سيطرة العقل وإمارته ، فإنّه يوجب تأسيس حياة سعيدة تبتني على الخير والمحبّة وبثّ النسل الطيب على ما يريده اللّه تعالى . الخامس : ذكرنا أنّ ظاهر السياق من قوله تعالى : فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً هو نكاح المتعة ، وأنّه مشروع كالقسمين اللذين ذكرهما عزّ وجلّ في الآية السابقة ، وأنّه من سبل تحصين النفس من الوقوع في الحرام ، وأنّ الثلاثة هي الطرق الشرعيّة في الاستمتاع واللذّة الجنسيّة ، وغير تلك الثلاثة يكون سفاحا محرّما ، وهذا ممّا لا شبهة فيه ، فلا يبقى مجال للنقاش في دلالة الآية الشريفة على المطلوب ، وقد ذكرنا سابقا بعض ما قيل في وجه الاشكال فراجع . وذكر بعضهم أنّ الآية الكريمة منسوخة ، واختلفوا في الناسخ لها ، فقيل : إنّها منسوخة بقوله تعالى : وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ . إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ . فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ [ سورة المؤمنون ، الآية : 5 - 7 ] .